مسرح

ديمومة المسرح وذاكرته الشعبية محور نقاشات البرنامج الفكري لمهرجان الشارقة للمسرح الصحراوي

حنان الصاوي

تواصلت فعاليات البرنامج الفكري للدورة التاسعة من مهرجان الشارقة للمسرح الصحراوي، الذي حمل هذا العام عنوان «المسرح الصحراوي وجماليات السير الشعبية العربية»، حيث شهدت الجلسة الثانية من المحور الفكري تقديم ورقتين بحثيتين ناقشتا قضايا التقييم والتوثيق من جهة، وأهمية الذاكرة الشعبية والسرديات المحلية في بناء جماليات المسرح الصحراوي من جهة أخرى.

في الورقة الأولى، تناول الكاتب والمخرج التونسي حمادي المزي تجربة مهرجان الشارقة للمسرح الصحراوي باعتبارها نموذجًا استثنائيًا نجح في الحفاظ على استمراريته وتطوره عبر دوراته المختلفة. وأكد أن سر ديمومة هذه التجربة يعود إلى الوعي بأهمية التقييم والتوثيق كركيزتين أساسيتين لنضج أي فعالية فنية، مشيدًا بالدور الذي تضطلع به دائرة الثقافة في الشارقة في ترسيخ الذاكرة التوثيقية للمهرجانات الثقافية. كما أشار إلى أن المسرح الصحراوي يمثل تجربة غير تقليدية، تقوم على علاقة عضوية بالمكان والذاكرة الشعبية، وتسهم في خلق مشهد مسرحي بديل يتجاوز حالة الجمود التي تعاني منها بعض المهرجانات العربية نتيجة غياب المراجعة النقدية المنتظمة.

وعلى الصعيد الجمالي والفكري، أوضح المزي أن المسرح تأخر في الاشتغال على الصحراء مقارنة بالأدب والسينما، رغم ما تحمله من إمكانات درامية وأسطورية غنية. وطرح في هذا السياق تجربتين؛ الأولى عملية، تمثلت في عرض «رسائل الحرية» الذي قُدم في صحراء قبلي بتونس، حيث تحول الفضاء الصحراوي إلى عنصر درامي فاعل، والثانية رؤية مستقبلية تدعو إلى تأسيس مسرح صحراوي بخصوصية سينوغرافية ومعرفية، يوظف الصمت والفراغ والطقوس والأسطورة، ويتفاعل مع تحولات الصحراء المعاصرة الناتجة عن التكنولوجيا واستثمار الثروات الطبيعية، ليصبح المسرح فعلًا تأمليًا في الوجود والزمن والمصير الإنساني، وليس مجرد عرض في فضاء مفتوح.

من جهته، قدّم الباحث المغربي عادل اضريسي ورقة بحثية تناولت السرديات الشعبية في المسرح الصحراوي المغربي، من خلال طقوس وجلسات الشاي، بوصفها ممارسة ثقافية تتجاوز مفهوم الضيافة إلى كونها فرجة جماعية متكاملة، تحمل ذاكرة جمعية غنية بالرموز والدلالات والهويات المحلية. واعتبر أن جلسات الشاي تشكل نمطًا ما قبل مسرحي، تختزن عناصر الأداء والسينوغرافيا والنص الشفهي، وتحقق تفاعلًا حيًا بين الحكاية والشعر والقول، ما يجعلها مصدرًا جماليًا يمكن استثماره في تطوير لغات المسرح الصحراوي وتعزيز حضور السرد المحلي والذاكرة الجماعية.

وأكد اضريسي أن طقوس الشاي، بما تتضمنه من تنظيم أدائي واضح يقوم على المؤدي والجمهور والفضاء والطقس، توفر إمكانات دراماتورجية وسينوغرافية ثرية يمكن توظيفها في الكتابة المسرحية والإخراج، مع الحفاظ على الخصوصية الثقافية والهوية الصحراوية. وخلص إلى أن استلهام هذه الممارسات التراثية يسهم في تجديد الفعل المسرحي، وإعادة الاعتبار لوظيفة التواصل والمؤانسة، وتأسيس مسرح منفتح على العالم، منطلق من الذات والذاكرة المحلية.

وتأتي هذه الجلسة ضمن البرنامج الفكري لمهرجان الشارقة للمسرح الصحراوي، الذي تنظمه دائرة الثقافة في الشارقة عبر إدارة المسرح برئاسة الفنان أحمد أبو رحيمة، وبرعاية صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة. ويأتي ذلك في إطار رؤية المهرجان الهادفة إلى تعميق النقاش حول خصوصية المسرح الصحراوي، وربط التجربة المسرحية بالموروث الثقافي العربي والبيئة الصحراوية، من خلال عروض مسرحية ولقاءات فكرية تجمع فنانين وباحثين من مختلف أنحاء العالم العربي، لترسيخ المهرجان كمنصة فنية وفكرية متفردة في المشهد المسرحي العربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى