مقالات

جبار جودي.. من خشبة المسرح إلى قمة الإدارة الثقافية

حنان الصاوي

جبار جودي.. من خشبة المسرح إلى قمة الإدارة الثقافية

في زمن يبحث فيه الفن عن رموزه الحقيقيين، يبرز اسم الدكتور جبار جودي كواحد من أبرز الوجوه التي استطاعت أن تجمع بين الموهبة الأكاديمية والإدارة الثقافية الناجحة. هو ليس مجرد ممثل أو مخرج أو نقيب، بل حالة فنية متكاملة حملت المسرح العراقي على كتفيها في واحدة من أكثر مراحله حساسية، وسعت إلى ترميم العلاقة بين الفن والمجتمع بروح من الإيمان والمسؤولية.

منذ خطواته الأولى على خشبة المسرح، أثبت جبار جودي أن المسرح بالنسبة له ليس وسيلة للظهور، بل طريق للوعي والتنوير. تخرّج من أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد، وتدرج في تجاربه الإبداعية حتى صار من الأسماء التي يُحسب لها حساب في المشهد المسرحي العراقي والعربي.

لكن ما يميّز جودي حقًا، أنه لم يكتفِ بحدود الخشبة، بل انتقل إلى فضاء أوسع حين حمل على عاتقه مهمة نقيب الفنانين العراقيين، فحوّل النقابة إلى بيتٍ حقيقي يحتضن المبدعين، ويدافع عن حقوقهم، ويعيد للفن مكانته في وجدان المجتمع.

بأسلوبه الهادئ وحضوره الواثق، استطاع أن يغيّر الصورة النمطية عن العمل النقابي، وجعل من الثقافة مسؤولية جماعية لا نخبوية. لم يتعامل مع الفن كترف، بل كضرورة، فقاد سلسلة من المبادرات التي دعمت الفنانين الشباب، وفتحت جسور التواصل مع المؤسسات العربية والعالمية.

أما على الصعيد الدولي، فقد أضاف جبار جودي إنجازًا نوعيًا بترؤسه مهرجان بغداد الدولي للمسرح، الذي تحوّل في سنوات قليلة إلى منصة عالمية تليق بتاريخ العراق المسرحي العريق. فالمهرجان في رؤيته ليس مجرد تظاهرة فنية، بل مشروع حضاري يستعيد من خلاله العراق دوره الثقافي في المنطقة.

يحرص جودي على أن يكون المهرجان واجهة للعقل العراقي المبدع، يجمع بين الأصالة والتجديد، ويؤكد أن بغداد ما زالت قادرة على احتضان العالم بالفن والجمال رغم كل التحديات.

إن المتأمل في مسيرة الدكتور جبار جودي يجد فيها نموذجًا نادرًا لقيادة ثقافية تجمع بين الحس الفني والقدرة الإدارية. هو فنان يقرأ المستقبل بعين المبدع، ويصنع الحاضر بعقل القائد، مؤمن بأن المسرح لا يزال أصدق مرآة للمجتمع وأقوى صوت للإنسان.

لقد استطاع جبار جودي أن يكتب فصلاً جديدًا في تاريخ الثقافة العراقية، فصلًا عنوانه الإصرار والوعي والإبداع.

وبين خشبة المسرح وقاعة الإدارة، يظل الرجل نفسه: فنانًا لا يتعب من الحلم، ومثقفًا يؤمن أن الفن حين يُدار بحكمة، يصبح أعظم وسيلة لبناء الإنسان.

جبار جودي.. من خشبة المسرح إلى قمة الإدارة الثقافية
الدكتور جبار جودي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى