ستوديو مصر… قلعة السينما التي صنعت تاريخ الفن العربي

حنان الصاوي
في قلب القاهرة، وتحديدًا في منطقة الهرم، يقف ستوديو مصر شاهدًا على حقبة ذهبية صنعت ملامح السينما المصرية والعربية. فمنذ تأسيسه قبل أكثر من ثمانية عقود، تحوّل هذا الصرح إلى مصنع للأحلام، ومختبر خرجت منه أهم أفلام الزمن الجميل وأشهر نجوم الشاشة.
البداية… حلم اقتصادي يتحول إلى مشروع ثقافي
تعود فكرة إنشاء ستوديو مصر إلى طلعت حرب باشا، رائد الاقتصاد الوطني، الذي أدرك مبكرًا قوة السينما كصناعة وتأثيرها الثقافي.
وفي عام 1934 أطلق شركة مصر للسينما وأسس ستوديو مصر ليكون واحدًا من أكبر استوديوهات الإنتاج في الشرق الأوسط.
ولم يكن طلعت حرب يسعى فقط لإنتاج الأفلام، بل أراد بناء صناعة متكاملة تضم مهندسي الديكور والمصورين والمونتاجيين وصنّاع الإضاءة، ليصبح ستوديو مصر مدرسة حقيقية لتدريب المواهب.
عصر الازدهار… من العزيمة إلى دعاء الكروان
شهد ستوديو مصر في الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات إنتاجًا غزيرًا من الأفلام التي تعد اليوم علامات في تاريخ الفن العربي.
ومن أشهر الأعمال التي خرجت من الاستوديو:
العزيمة (1939): أحد أهم الأفلام الواقعية في تاريخ السينما العربية.
لاشين (1938): فيلم سياسي جريء سبق زمنه.
دعاء الكروان (1959): إحدى روائع المخرج هنري بركات.
صراع في الوادي و رد قلبي و صراع في النيل: من كلاسيكيات السينما التي صنعت نجومية فاتن حمامة وعمر الشريف وغيرهما.
كان الاستوديو يضم معدات حديثة بالنسبة لعصره، واستوديوهات تصوير عملاقة، وورشًا للديكور والملابس، ما جعله مركزًا أساسيًا لصناعة السينما في مصر والمنطقة.
ستوديو النجوم… هنا ولدت أساطير الشاشة
لم يكن ستوديو مصر مجرد مكان للتصوير، بل كان مؤسسة تخرج نجوماً من داخله، تجسدت بدايات وتألق العديد من رموز السينما مثل: فاتن حمامة وليلى مراد ويوسف وهبي
ومحمود المليجي وعمر الشريف وسامية جمال.
كما احتضن أجيالًا كاملة من التقنيين الذين أصبحوا روادًا في الإخراج والتصوير والمونتاج في العالم العربي.
التحولات والتحديات… بين الخصخصة والتغيير
مع مرور السنوات وتغير المناخ الإنتاجي في مصر، شهد ستوديو مصر فترات من التراجع إذ بدأت حركة الإنتاج تنتقل إلى شركات خاصة ومواقع تصوير خارجية، مما انعكس على نشاط الاستوديو.
ورغم ذلك، ظل المكان محتفظًا بمكانته كموقع تصوير لكثير من الأعمال الدرامية والسينمائية الحديثة، إضافة إلى برامج تلفزيونية وإعلانات.
محاولات الإحياء… حلم العودة إلى مجد الماضي
شهدت العقود الأخيرة مشروعات لتطوير الاستوديو وإعادة إحياء دوره التاريخي، خصوصًا بعد إدراك قيمته كتراث ثقافي وفني.
وتتزايد اليوم الدعوات لإعادة ستوديو مصر إلى مكانته كمركز إنتاجي وتعليمي، على غرار استوديوهات العالم الكبرى مثل هوليوود وبوليود.
ستوديو مصر… ذاكرة وطن وصناعة لا تنسى
لا يمكن الحديث عن السينما العربية دون ذكر ستوديو مصر فهو ليس مجرد مبنى أو موقع تصوير، بل ذاكرة فنية جمعت بين الإبداع والتاريخ والهوية المصرية.
ورغم مرور الزمن، يظل هذا الصرح شاهدًا على عصر ازدهرت فيه السينما، ونافذة للأجيال الجديدة للعودة إلى الجذور والبحث عن المستقبل في إرث الماضي.





